إحترام وتقدير لوالدي – 3

الفصل الرابع: أبو أحمد وأم أحمد

   “أم أحمد، هل أنت بخير؟”. انحنى الأب إلى جانب زوجته التي وقعت على الأرض وقال لابنته شام: “اتصلي بالإسعاف، لقد غابت أمك عن الوعي ولا تبدو بحال جيدة”.

كانت شام وأبوها خائفين وهما ينتظران وصول الفريق الطبي. وبعد ذلك، لحق الأب وابنته بسيارة الإسعاف التي حملت أم أحمد إلى المستشفى.

     أتى والدا أحمد وجورج إلى هذه القرية الصغيرة الواقعة في شمال لبنان أواخر خمسينات القرن الماضي قادمين من طرابلس. وآنذاك لم يكن لديهما أكثر من بعض الأغراض وأطفالهما الخمسة. لقد خسر الوالدان كل ما امتلكاه في طرابلس أثناء انتفاضة العام 1958 التي هزت أجزاء من لبنان. ولكي يتمكّن من تأمين مصاريف عائلته، سافر أبو أحمد إلى الكويت حيث عمل لعدة سنوات وادّخر مالاً كافياً ليعود بعدها إلى لبنان ويبدأ عمله الخاص ويبني بيته في القرية الصغيرة. وقد تركز عمله الخاص في الزراعة اضافة الى بعض الأعمال الأخرى. كما كان كلٌ من الوالدين يبيعان ويشتريان الأراضي والعقارات لكي تكون عوناً لأوالدهما في المستقبل.

    عندما انتقلت العائلة إلى هذه القرية، كان معظم سكّانها لديهم تحصيلا” علميا” كافيا”، لكن نقص المال شكّل عائقاً أمامهم لأن معظم دخلهم أتى من التدريس والزراعة والأعمال الحرة التي لم تجنِ لهم من المال إلا النذر اليسير. أما وضع أبو أحمد وأم أحمد فكان أفضل من جيرانهم بعد سنوات العمل في الكويت. لم تكن عائلة أبو أحمد غنيّة، لكن أم أحمد كانت قادرة بطريقة أو بأخرى أن تجد حلولاً ناجعة لمساعدة جيرانها قدر الإمكان.

    كان قد مضى أربعون عاماً على وصول العائلة إلى القرية عندما غابت فيه أم أحمد عن الوعي في هذه اللحظة. وكان أبو أحمد في المستشفى يسترجع كل هذه الذكريات عندما نقر أحدهم على كتفه.

قال الطبيب صديقي أبو احمد؟

أبو أحمد: “أهلاً دكتور، ماذا حصل لزوجتي؟”.

الطبيب: “يؤسفني القول أنها تعرضت لسكتة دماغية قوية، وهي الآن في غرفة العناية. وأخشى أن الضرر قد حصل، لكن من المبكر معرفة ذلك الآن. تحتاج للبقاء في المستشفى لعدّة أيام للمراقبة والعناية”.

 

الفصل السابع: المكالمة الهاتفية

رنّ الهاتف في ساعة متأخرة.

قفز جورج من سريره ليرد على الهاتف متسائلاً من المتصل في هذه الساعة: “ألو”.

لم يرد أحد، لكنه سمع صوت نحيب وبكاء على الطرف الآخر. نظر جورج إلى رقم المتصل وعرفه فوراً. إنه رقم أهله.

تحدث جورج بصوت قلق: “ألو، ألو.. ماذا يحصل؟ من المتصل؟”.

كان المتصل أخته شام، حيث قالت: “جورج، آسفة … آسفة أن أخبرك …. إن أبي تعرض لنوبة قلبية”.

أجاب جورج بسرعة وبصوت نافد الصبر: “هل هو في المستشفى؟ كيف حاله؟ ماذا قال الأطباء؟”.

ردت شام بصوت يملؤه الحزن: “آسفة يا جورج، لقد توفي على الطريق إلى المستشفى”. ثم توقفت هنيهة عن الكلام حيث أدرك جورج أنها كانت تحاول أن تتمالك نفسها.

في هذه الأثناء دخل أحمد إلى الغرفة بعد أن أيقظه الهاتف: “ماذا حصل يا جورج؟”.

جورج: ” لقد تعرّض أبي لنوبة قلبيّة وتوفيّ”. أمسك جورج بالهاتف مرّة أخرى وتكلّم إلى شام: “حسنا” يا شام، سوف نحجز على أول رحلة إلى لبنان”. كان صوت جورج مخنوقاً، وأغلق الهاتف بعد أن أمسك دموعه.

حزم التوأم حقائبهما بسرعة واتصلا برقم الطوارئ في المكتب لكي يحصلا على جوازيهما، ثم قاما بالحجز على الطائرة في الصباح ووصلا إلى بيت أهلهما في المساء.

    دخل الأخوان إلى غرفة أمهما أولاً، حيث كانت الأم مشلولة جزئياً وغير قادرة تماماً على التحدث منذ أن أصابتها السكتة الدماغيّة قبل عام. وكان بعض الأصدقاء والأقرباء معها في الغرفة يحاولون مواساتها. قبّل الأخوان أمّهما وسلّما على الحضور.

بعد أن هدأ الأخوان قليلاً، تحدّثا إلى شام وعمّهما حول ترتيبات الجنازة التي ستعقد في اليوم التالي. وكان من الواضح أن معظم الترتيبات تمّ تحضيرها من قبل العمّ والجيران، خاصة وأن أحمد وجورج لم يكونا في البلد ومازالت شام صغيرة، أما الأخوات الأخريات فمتزوجات وبعيدات عن القرية.

    حضر الجنازة جمعٌ من الناس من القرية والقرى المجاورة أيضاً. كما حضر عدد من الأقرباء الذين لم يرهما أحمد وجورج منذ مدّة طويلة، بالإضافة إلى عدد من أصدقاء الأخوين الذين يعملون في السعودية وكانوا في لبنان وقت الجنازة.

وفي الجنازة، تكلّم أحمد باعتباره الشقيق الأكبر وبالنيابة عن العائلة، قال: “لقد كنتما يا أبي و أمي مثالاً نقتدي به. لقد علّمتنا كيف نقف بقوّة مع الحقّ، وكيف نتعامل وقت العداوة، وكيف نواجه تحديات الحياة بدل أن نهرب منها. ونحن إذ نتفكّر في حياتك نرى أن العائلة خسرت كل شيء ليس مرة واحد بل مرّتين، بسبب الحرب الاهليّة. لكنكما يا أبي ويا أمي لم تيأسا. وعوضاً عن ذلك، فقد جمعتما ما بقي لديكما وبدأتما الحياة من جديد لكي تخلقا مستقبلاً أفضل لنا. إن كلمات التعزية والوفاء بحقّك قد ألقيت في جامع وكنيسة القرية. لقد كان بيتك مفتوحاً للجميع في البلدة من كل الطبقات، وسوف نستمر في هذا التقليد. لقد كنت قدوة لنا وعلّمتنا معنى خدمة المجتمع. نحن نقدّر ما قمت به وما أعطيته لمجتمعك”.

أبي, لقد كنت المثال الذي نقتدي به. لقد علمتنا كيف نقف بصلابة وقوة مع الحق بوجه الباطل, وأن نواجه بصلابة وايمان كل المصاعب والمحن بدل الهرب منها.ونحن اذ نتفكر في حياتك نرى أن العائلة دفعت ثمنا” باهظا” وخسرت الكثير الكثير مرّات عدة وكل ذلك سببه تلك الحرب الأهلية والطائفية البشعة. لكنك رغم ذلك لم تيأس, فأصرّيت على المثابرة ومتابعة العمل والجهد والى جنبك أمّنا الفاضلة وكل هذا من أجل خلق مستقبل أفضل لعائلتك ومجتمعك.

كيف لي أن أنسى ذلك المشهد في ذلك اليوم الأليم, يوم جنازتك. ذاك المشهد الذي يندر وجوده حيث أقيمت الصلاة على جثمانك الطاهر في كنيسة القرية لينتقل بعدها الى طرابلس فيصلّى عليه في المسجد ليوارى الثرى؟

نعم انه مشهد غريب, لكن هذا ما علمتنا وربيتنا عليه. فبيتك كان دائما” مفتوحا” للجميع دون تمييز بين شخص و اخر.

أبي, لقد كنت لنا المثال والقدوة في خدمة المجتمع كل المجتمع. ونحن اذ نقدر ما قمت به من أجل مجتمعك وأهلك نعاهدك بأننا على العهد باقون, وسنتابع الطريق على المبادئ التي ربيتنا عليها, وهذا ما سيكون الارث الحقيقي لأولادنا من بعدنا.

About Mounir Ajam

Mounir Ajam is eager to awaken the giant of project management within individuals, organizations, and nations! He is an experienced executives with global experience working on projects from the United States to Japan and in between. He has been privileged to work on multiple small projects and mega projects. Mounir is an author, volunteer leader, speaker, consultant, executive coach, and entrepreneur who is open for further learning and sharing.
This entry was posted in Family. Bookmark the permalink.

One Response to إحترام وتقدير لوالدي – 3

  1. Mona AJAM says:

    Beautiful . Thanks for sharing

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s